محمد طاهر الكردي
436
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
عن جده مرفوعا : لا يقبل اللّه من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين ، ومن حديث أخرجه الطبراني عن أبي هريرة : جاهدوا تغنموا وهاجروا تفلحوا . إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على دوام وجوب الهجرة وأنها لا تنقطع حتى تنقطع التوبة . أما الآيات القرآنية الدالة على تحريم مساكنة أعداء الدين ، والبقاء تحت حكمهم فهي كثيرة ، جمع منها صاحب المعيار جملة وافرة ، وهي شديدة جدا على القاطنين من المسلمين تحت حكم الكفرة مع قدرتهم على الهجرة عنهم ، ولكثرتها ، مع العلم بها ، لم أتعرض لنقلها في هذا التنبيه واكتفيت بتخريج الأحاديث الواردة في وجوب الهجرة ، ولو أردت نقل الآيات الدالة على ذلك لكان ذكرها قبل الأحاديث أولى ، قال صاحب المعيار بعد ذكرها وذكر جملة من الأحاديث في هذا المعنى : فتتعاضد هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والإجماعات القطعية على هذا النهي ، فلا تجد في تحريم هذه الإقامة وهذه الموالاة الكفرانية مخالفا عن أهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فهو تحريم مقطوع به من الدين ، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وقتل النفس بغير حق ، وأخواته من الكليات الخمس التي أطبق أرباب الملل والأديان على تحريمها ، ومن خالف الآن في ذلك ، أو رام الخلاف من المقيمين معهم والراكنين إليهم ، فجوز هذه الإقامة واستخف أمرها واستسهل حكمها ، فهو مارق من الدين ومفارق لجماعة المسلمين ، ومحجوج بما لا مدفع فيه لمسلم ، ومسبوق بالإجماع الذي لا سبيل إلى مخالفته وخرق سبيله . ا ه كلام صاحب المعيار ، الذي قال فيه ابن الإمام غازي : هو جبل من علم يمشي على وجه الأرض . وقد روى أشهب عن مالك : لا يقيم أحد في موضع يعمل فيه بغير الحق ، وقال أبو الوليد بن رشد في أول كتاب التجارة من مقدماته : فرض الهجرة غير ساقط بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة ، وقد كره مالك رحمه اللّه أن يسكن أحد ببلدة يسب فيها السلف ، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن ، وتعبد فيه من دونه الأوثان ، لا تستقر نفس أحد مسلم على هذا إلا مسلم مريض الإيمان . ا ه . ( التنبيه الثالث ) : لا يشترط شرعا في صحة الهجرة بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تكون إلى المدينة المنورة خاصة ، بل تعتبر شرعا ويعتد بحصولها وأداء فرضها من